الخطيب الشربيني
566
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير . تنبيه : هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أنّ الأمّة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين ، وقوله تعالى : لَحافِظِينَ جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة ، كما قيل : اثنان بالليل واثنان بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة . واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة . فقيل : لا لأنّ أمرهم ظاهر وعملهم واحد ، قال تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [ الرحمن : 41 ] وقيل : عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى : بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 ) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [ الانفطار : 10 - 11 ] وقوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [ الحاقة : 25 ] وقوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ [ الانشقاق : 10 ] فأخبر أنّ لهم كتابا وأنّ عليهم حفظة . فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له ؟ أجيب : بأنّ الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهدا على ذلك وإن لم يكتب . وفي هذه الآية دلالة على أنّ الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراما كاتبين . يَعْلَمُونَ أي : على التجدد والاستمرار ما تَفْعَلُونَ فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنهم يكتبونها ، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة ، وفي تعظيم الكتبة تعظيم لأمر الجزاء ، فإنه عند الله من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة ، ولطف بالمؤمنين . وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين . ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين ، وقسمهم قسمين ، وبدأ بقسم أهل السعادة . فقال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ أي : المؤمنين الصادقين في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى واجتناب معاصيه لَفِي نَعِيمٍ أي : محيط بهم أبد الآبدين ، وهو نعيم الجنة الذي لا نهاية له . ثم ذكر قسم أهل الشقاوة بقوله تعالى : وَإِنَّ الْفُجَّارَ الذي من شأنهم الخروج عما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله تعالى إلى سخطه ، وهم الكفار لَفِي جَحِيمٍ أي : نار محرقة تتوقد غاية التوقد فهم فيها أبد الآبدين . يَصْلَوْنَها أي : يدخلونها ويقاسون حرّها يَوْمَ الدِّينِ أي : يوم الجزاء وهو يوم القيامة . وَما هُمْ عَنْها أي : الجحيم بِغائِبِينَ أي : مخرجين ، ويجوز أن يراد يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم . وقيل : أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله ، وحالة الآخرة التي يجازى فيها ، وحالة البرزخ وهو قوله تعالى : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ . وروي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني : ليت شعري ما لنا عند الله ، قال : اعرض عملك على كتاب الله تعالى ، فإنك تعلم ما لك عند الله تعالى ، قال : فأين أجد ذلك في كتاب الله ؟ قال : عند قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ الآية . قال سليمان : فأين رحمة الله